الرئيس  رفيق   الحريري

 

 

 

 

ولد في مدينة صيدا لبنان عام 1944م، اتسمت حياته بالكفاح المتواصل. ونهض بالمسؤوليات التي ألقيت على عاتقه وطنياً وسياسياً. وكرجل أعمال، انطلق من المملكة العربيّة السعوديّة. وجه طاقاته لخدمة بلده لبنان الذي قاسى من ويلات حرب طويلة، فوضع امكاناته في تصرف الدولة بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982م، وأسهم في مساعدة أكثر من ثلاثين ألف طالب لبناني على متابعة دراساتهم في جامعات لبنان وأوروبا وأميركا.

في سبيل العمل على وقف الحرب الأهلية في لبنان أسهم في الإعداد لمؤتمر لوزان عام 1984م ولمؤتمر الطائف العام 1989م الذي وضع النهاية السلمية لتلك الحرب.

سمّي رئيساً للحكومة اللبنانية عدة مرات خلال ولاية الرئيسين إلياس الهراوي وإميل لحّود.

 

وأطلق من خلال مشاركته في الحكم، أكبر عملية إعمار وبناء في تاريخ بلده، من علاماتها البارزة إعادة إعمار وسط بيروت الذي بدأ سنة 1994م. عُرف بعلاقاته الدولية وسعة اتصالاته الدبلوماسية، لا سيما في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتشجيع رجال الأعمال العرب والأجانب على الاستثمار في لبنان.

حائز على أوسمة عدة من معظم الملوك والأمراء ورؤساء الدول العربيّة والصديقة.

يكشف رفيق الحريري جميع أوراقه لمن يسأل عن ثروته التي جعلته يتبوأ بجدارة لائحة كبار الأغنياء في العالم.

وتقرأ في "أوراق العمر" أن الرجل عمل محاسباً حتى يستطيع إتمام دراسته الجامعية في كلية التجارة في جامعة بيروت العربية قبل أن ينتقل (بفعل إعلان في جريدة يومية) إلى السعودية حيث عمل في التدريس، ثم عاد إلى تدقيق الحسابات مجدداً، جامعاً هذه المرحلة في 6 سنوات، معيلاً لنفسه ومعيناً لعائلته، قبل أن يضع قدمه عام 1970 في عالم المال والأعمال مؤسساً شركة صغيرة سماها "سيكونيست". وينطلق بقوة عام 1977 عبر قبول تحد فيه الكثير من المغامرة من خلال اشتراكه مع شركة "أوجيه" الفرنسية في إنشاء فندق في الطائف، في فترة تسعة اشهر، بعدما اعتذرت شركات كبرى عن قبول هذا التحدي في حينه، ليلاقي أول انجازاته الكبرى ويؤسس بعدها "سعودي أوجيه" المولودة من دمج "سيكونيست" مع "أوجيه" وليكسب بعدها في عام 1987 شرف الجنسية السعودية التي يعتبرها من أهم العلامات المضيئة في سيرته الذاتية.

قد يكون لقب "رجل الدولة" او "الرئيس" افضل الألقاب بالنسبة إلى رفيق الحريري، الذي يتجاهل عمداً خلفيته كأحد كبار رجال الأعمال في العالم.

ويبدو ذلك جلياً من خلال انغماسه في تفاصيل الحركة السياسية في لبنان والمنطقة امتداداً إلى نفوذه وعلاقاته الدولية، مما يجعل الغوص في حجم ثروته واستثماراته مهمة صعبة يمكن الركون فيها على التقديرات ولكن يستحيل تكوين صورة متكاملة وحقيقية. وهذه المعادلة تنطبق على جميع الثروات الكبرى التي يحتفظ أصحابها بخصوصيات تجعل الرؤية أحياناً كرؤية جبل الجليد.

 

   سياسة الأعمال وأعمال السياسة

وفي خط مواز للإعمال والاستثمارات، انشأ الشيخ رفيق الحريري عام 1979 "مؤسسة الحريري" وهي منظمة لا تبغي الربح ساهمت في تعليم اكثر من 35 ألف طالب لبناني في الجامعات الرسمية والخاصة في لبنان وفي جامعات أوروبا وأميركا، كما تؤمن المؤسسة أيضاً خدمات صحية واجتماعية وثقافية.

ومع تغليب شخصية السياسي على شخصية رجل الأعمال، بدأ التحول في شخصية الحريري والاهتمام بالشؤون اللبنانية مبكراً أيضاً. وبدأ ظهوره "السياسي" على ساحة الأحداث عام 1982 لكن من الباب الاقتصادي، حيث يتذكره اللبنانيون جيداً "كفاعل خير" وضع إمكاناته بتصرف الدولة اللبنانية وساهم في إزالة الآثار الناجمة عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان ووصوله إلى العاصمة بيروت.

وفي 20/10/2004 قدّم إستقالته من رئاسة الحكومة إلى الرئيس اللبناني أميل لحّود الذي قبلها. وأكّد مساعدوه في بيان صحفي أن الحريري ليس مرشحاً لتولي الرئاسة وأنه لن يشكّل حكومة جديدة.

 

 

 

 

يوم الإثنين في الرابع عشر من شهر شباط 2005 سقط الرئيس رفيق الحريري شهيداً في خضمّ معركة كبرى لاستعادة الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى سياق ديموقراطي عبر انتخابات نيابيّة حرّة.

 

 

 


سقط الرئيس الحريري شهيداً ليس بعيداً من ساحة المعركة أي مجلس النواب حيث كان قبل دقائق من اغتياله يشارك في جلسة اللجان النيابية المخصصة لمناقشة قانون الانتخاب.
سقط الرئيس الحريري رمز الاعتدال الإسلامي ورجُل الوفاق الوطني ورجُل الدولة، بنتيجة التحريض ضدّه وضد القوى التي ترفض بقاء الوضع اللبنانيّ على حاله من الاستباحة لوفاقه ودستوره وميثاق عيشه المشترك .

 


سقط الرئيس رفيق الحريري شهيداً على يد الجريمة المنظمة ، لأنّه كان يمثل واسطة العقد اللبنانيّة، ولأنه كان رجل التسويات التاريخية.

 

سقط شهيداً لأنّه الرجل ذو المكانة العربية والدوليّة الذي وظّف علاقاته الكبيرة في خدمة وطنه وأمته.

سقط شهيداً لأن القتلة الذين  ظنوا انهم يقطعون مسار الحريّة والديموقراطيّة... والعروبة المنفتحة.

سقط شهيداً لأنهم يظنون أن لا مكان للكبار الكبار في لبنان.

سقط الإنسان في رفيق الحريري، وهو الحادب على كلّ ذي حاجة.

شهيد الوطن والأمة يخسره محبّوه الكثر ليس في بيروت التي أطلقت مشاعر الحبّ والحزن فقط، وليس في لبنان وحسب، بل في كلّ مكان زرع فيه من روحه الاعتدال والمحبّة.. وتصميم الرجال الرجال.

 

ولأن الرئيس الشهيد كان يمثل كلّ هذه القيم والأبعاد، بكاه لبنان من أقصاه إلى أقصاه.
 


 

 

 


زوجته السيدة نازك وشقيقته بهيه يبكيان على النعش

 

 

وقد شيّع لبنان من أقصاه إلى أقصاه، بمسلميه ومسيحييه، بأطفاله ونسائه ورجاله، بأجراس الكنائس جنباً إلى جنب مع أصوات المآذن الصادحة بكلام الله سبحانه وتعالى، الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى مثواه الأخير في مسجد محمد الأمين، فرافقه مليون من لبنان إليه.

 

 

لكن لبنان برمته، وخصوصاً بعاصمته بيروت، الذي لم ينم منذ أن حلّ النبأ المشؤوم كالظلمة في ربوعه، لم ينم أمس أيضاً حتى بعد أن أيقن أن الرئيس الشهيد نام في مثواه، في محطة انتقالية إلى جنّة الخلد.

 

 

كان ينقصه لقب الشهيد فحصل عليه


استحق الرئيس الشهيد ألقاباً كثيرة في حياته، لكن اللبنانيين بكوه أمس صانع استقلالهم الجديد، وانتحبوا باسم دمائه التي ستفتح طريق الحرية. وإذا كان القتلة قد نالوا منه، فلم ينجحوا في النيل من الوحدة الوطنية التي كان الرئيس الشهيد الركيزة الأساسية لها.


قيل عنه بحق إنه رجل التسويات التاريخية، وعلى الأرجح لأنه كذلك قتلوه. قتلوه لأنهم ربما أدركوا أن لا تسوية يمكن أن يجترحها الرئيس الراحل مع القمع والاستبداد.


والردّ الشعبي أتى لا مواربة فيه. فبيروت أم العواصم العربية، بيروت جمال عبد الناصر، بيروت القضية العربية، بيروت المقاومة ضد الغزو الصهيوني، بيروت كمال جنبلاط وكل الأحرار.. بيروت هذه كانت أمس ناطقة بالحرية والديموقراطية. فأمام دماء رفيق الحريري، صرخ اللبنانيون في بيروت ومنها أن لا قضية تعلو فوق الحرية والديموقراطية، وأن لا قضية إلا الحرية والاستقلال.

 


في تاريخ بيروت ـ ولبنان ـ محطات تاريخية أبكت اللبنانيين وأنزلتهم إلى الشارع.   لكنهم أمس كانوا أكثر من كل مرة، ولم يتوقف السيل البشري في وداع قائد مسيرة محو آثار عدوان 1982 الإسرائيلي، وقائد مسيرة السير بلبنان في ركاب العصر.. والآن بطل الاستقلال الذي تقاطر قادة العالم إلى بيروت لوداعه.

 

 


وكم كان البيروتيون ـ واللبنانيون ـ أمراء بأميرهم الشهيد عندما استقبلوا صديقه الوفي الرئيس جاك شيراك بالتكبير عن روح البطل، وبالهتاف للصداقة مع فرنسا التي انحنى رئيسها وعقيلته أمام ضريحه تشديداً على المثل التي ناضل الرئيس الشهيد من أجلها.


 


ما تحقق إجماعٌ على شخصٍ في لبنان كما تحقق الإجماع على شخص الرئيس الحريري كرمز للوحدة الوطنية:

المليون لبناني الذين ساروا خلف نعش الرئيس الحريري لم يفعلوا ذلك حبَّاً به فقط بل كرهاً، بالذين تعاطوا باستخفاف مع الناس وبتقديم مصالحهم الشخصية قبل التفكير لحظة بلقمة عيش كريمة للمواطنين.

الرئيس الفرنسي جاك شيراك وزوجته يبكون الفقيد امام نعشه

 

 

غدرت به مصائره الفاجعة أخيراً وهو في ذروة العمر؛ فقد خانته أيامه وهو ما زال يطارد أوهاماً في بلد مسيّج بالوهم والكراهية.

لم يمهله الذين يريدون سوءاً بلبنان، بهويته العربية وبسلمه الأهلي وبدوره المفتقد فخططوا لاغتياله، واغتالوا معه آمالاً عريضة كان يعلقها اللبنانيون عليه.

إنها مجرد ستين عاماً فقط أمضاها رفيق الحريري وهو يصارع أقداره بصبر عجيب وبلا توقف أو مهادنة.

منذ البدايات الأولى كان مرصوداً لمواجهة قسوة العيش ومرارة الزمان، وكأنه كان منذوراً أيضاً لسباقات لا تنتهي، وطالما فاز دوماً في نهاياتها الحاسمة إلا هذه المرة، فقد خذلته النهايات، وتغلب مغتالو الآمال عليه، وانتهت اللعبة الفاجعة.

 

 الظهور السياسي الفعلي لرفيق الحريري بدأ عقب انتهاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982، فوضع إمكانات شركاته كلها في تصرف الدولة اللبنانية، بل انه بادر الى تأسيس شركة (أوجيه لبنان) التي نفذت عملية شاقة وشاملة لإزالة الركام الذي خلفه الاجتياح الإسرائيلي في بيروت وصيدا، وعمدت إلى تنظيف العاصمة وتأهيلها مجددا وبناء أرصفتها وإصلاح شبكات الماء والكهرباء والهاتف، وإنارة الشوارع، ثم قامت بعملية تحديث وتجميل شاملة لمدينة صيدا، وتولت أيضا تأهيل مدينة طرابلس بعد الدمار الذي أصابها في سنة 1983.

إلى جانب هذا الجهد التنموي مارس رفيق الحريري نشاطا سياسيا فاعلا على صعيد الوساطة الإيجابية بين الرئيس أمين الجميل والحركة الوطنية اللبنانية عبر سوريا. وكان أول (ظهوره السياسي) الى جانب الأمير بندر بن سلطان في دمشق، التي طالما انتقل إليها من قبرص وتنقل مرات عدة بالهليكوبتر بين دمشق والقصر الجمهوري اللبناني. وفي هذا السياق كان للحريري شأن مهم في إقناع أمين الجميل بإلغاء اتفاق 17 أيار 1983.

وحينما حصل من الرئيس الجميل على وثيقة بهذا الشأن بادر، مع جان عبيد، الى السفر الى دمشق عن طرق غير مألوفة، تحاشياً للمطاردة التي توقعاها والتي حصلت فعلا من دون أن توفق في (اصطيادهما)، وهكذا قدما للمسؤولين السوريين تلك الوثيقة التي تقرر، في أثرها، عقد مؤتمر جنيف في نهاية سنة 1983 الذي حسم إلغاء اتفاق 17 أيار، وأكد عروبة لبنان. ثم ان الحريري كان أحد مهندسي مؤتمر لوزان في سنة 1984 أيضا.

ومنذ ذلك الوقت فصاعدا بات الحريري واحدا من صناع القرار السياسي في لبنان من خلال علاقته بقادة العمل الوطني عموما، من دون القطع مع أركان السلطة التي سرعان ما دخلها هؤلاء... على أن الدور الأبرز للحريري هو ما صنعه مع الأخضر الإبراهيمي حينما وقع الفراغ السياسي غداة نهاية ولاية أمين الجميل؛ وهنا بالتحديد كان للحريري شأن مهم جدا في عقد مؤتمر الطائف في سنة 1989 الذي أنهى، تقريبا، الصراع اللبناني المسلح، وأدى إلى انتخاب رينيه معوض رئيسا للجمهورية اللبنانية. وحينما اغتيل رينيه معوض في 22/11/1989 بادر، على الفور، إلى استضافة عدد كبير من النواب اللبنانيين في فرنسا، وساهم في انتخاب الرئيس الياس الهراوي وقدم له مقرا مؤقتا في منطقة الرملة البيضاء، وبدأ بإمداد الجيش اللبناني بنصف مليون دولار شهريا، للطبابة... ثم باشر جهده المميز لترميم صورة الدولة ومؤسساتها.

 

منذ مطلع عقد التسعينيات في القرن العشرين صار رفيق الحريري مرجعية سياسية مهمة جدا في الحياة العامة اللبنانية، لذلك رشحه الرئيس الهراوي لتأليف الحكومة التي تمكن من تأليفها في 31/10/1992. وقد ارتبطت حكومة الحريري بعنوانين بارزين هما: الشركة العقارية لإعادة إعمار الوسط التجاري لمدينة بيروت (سوليدير)، وخطة النهوض الاقتصادي. وهذه الخطة التي امتدت بين 1993 و2002 بلغت تكلفتها 12 مليار دولار، وجرى في سياقها بناء مطار جديد في بيروت سنة 1996 يمكنه أن يخدم ستة ملايين راكب، وتركيب نحو مليون ونصف مليون خط هاتفي جديد، وتشغيل طاقة كهربائية بقوة 13 ألف ميغاواط.

لم يكن الحريري قطبا من أقطاب السياسة اللبنانية فحسب، بل أصبح، بالتدريج، أحد أقطاب الحياة السياسية العربية، وامتاز بحيويته الفائقة، وبقدرته على المتابعة، ودأبه على تحقيق إنجازات كبيرة. وبهذا المعنى تمكن من عقد مؤتمري باريس 1 و2 ومؤتمر أصدقاء لبنان في واشنطن سنة 1996 وربما من دونه ما كان في الإمكان عقد مؤتمر الفرنكوفونية في بيروت سنة 2002.

هجر رفيق الحريري بداياته الأولى، لكنه لم ينس، على الإطلاق، أترابه ورفاقه. فأنشأ (مؤسسة الحريري) التي سرعان ما راحت تنفق، بلا حساب، على تعليم الطلاب في الجامعات الغربية حتى وصل عدد الطلاب الذين درسوا على نفقة هذه المؤسسة الى نحو 34 ألف طالب، وبمعدل 80 مليون دولار سنويا.

هجر رفيق الحريري أيام الفقر والقسوة، وانتقل من شاب لا يجني شهريا أكثر من 200 ليرة لبنانية (80 دولارا آنذاك)، إلى رجل أعمال يكسب مئات الملايين من الدولارات سنويا. وبهذه الصفة صار الحريري مثالاً للعصاميين، وفي الوقت نفسه مدعاة لغيظ الآخرين وللحسد بجميع أشكاله.

الآن، مَن يحسد الحريري على نهايته الفاجعة بعدما غدرت به أيامه، ولم تمهله طويلاً ليرى بأم عينيه ثمرات عمره وحلاوة المال والسلطة والسياسة معاً؟

يوم الوداع

غطت دماء لبنان، ممثلاً برفيق الحريري، وجه الشمس، ظهيرة يوم الاثنين في الرابع عشر من شباط 2005... فالجريمة أخطر من اغتيال قائد سياسي باهر الحضور، محلياً وعربياً وعالمياً: إنها محاولة لاغتيال وطن، المقتول فيها أكبر بما لا يقاس من قاتله، كما أنه أكبر بكثير من الذين حاولوا توظيف الجريمة لتبرير تدخل دولي ظل يناضل ضده حتى النفس الأخير.

 

انتهى حلم اولادنا  وبدأ دمار لبنان

 

إن 14 شباط 2005 يوم حاسم في تاريخ لبنان. إنه من الأيام التي يبدو فيها التاريخ وكأنه أسرع في خطاه وأفلتت كوابحه واندفع نحو هاوية لا قعر لها. ففي هذا اليوم تمفصل الوضع الداخلي، المأزوم أصلاً، على تجدد النزاع الإقليمي والدولي على لبنان، فتشكل من ذلك كله مزيج متفجر ومفتوح حصراً على الاحتمالات الأكثر خطراً.

لقد تضاءل حجم لبنان، فجأة، أمس، وبدا وكأنه بلا رأس. كأنما رحل مع رفيق الحريري بعض ما تبقى من ألقه، وبعض مصادر كبره والكثير الكثير من مبررات دوره المفترض... أما مستقبل لبنان فقد تبدى وكأنه في مهب الريح.

بضربة واحدة قاتلة تهاوت صورة مشروع الوطن، بدوره العربي ومكانته الدولية، وقد جعلهما رفيق الحريري استثنائيين، وتبدى لبنان كياناً هشاً ودولة مرتبكة بلا قيادة وبلا مؤسسات سياسية وبلا مؤسسات أمنية، بلا اقتصاد وبلا تصور واضح للمستقبل، وبلا مصدات للتدخل الأجنبي: فرنسا أوثق علاقة بشؤونه الداخلية من محيطه العربي، والإدارة الأميركية صاحبة رأي في حاضره ومستقبله أكثر من أهله العرب، بل وأكثر من مواطنيه بطبيعة الحال.

لم يكن لدى العرب ما يقدمونه غير الاستنكار والتعزية وبرقيات الرثاء والطلب إلى الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد الكبير بواسع رحمته، وأن يكلأ لبنان بعين رعايته...

 

إن اغتيال رفيق الحريري هو، في بعض جوانبه، اغتيال لواحد من صمامات الأمان في لبنان... فالرجل كان يمثل، بحق، قدرة على مخاطبة المعارضة وتطويع خطابها، وقدرة على طمأنة سوريا إلى الثوابت القومية الصحية لعلاقتها مع لبنان، وقدرة على امتصاص آثار الهجمة الدولية. كان يمثل، فوق ذلك، مخرجاً ملائماً يحفظ ماء وجه الجميع، إن قرّ الرأي على تسوية فيحضر اتفاق الطائف نصاً وروحاً.

واستشهاد رفيق الحريري يضع القوى المتصارعة وجها لوجه، وتعلمنا التجربة أنه يصعب الرهان عليها من أجل عقلنة ممارساتها والبحث عن قشة الخلاص في كومة الأزمات المتراكمة والاستحقاقات المؤجلة، وبفقدانه يفقد لبنان عنصراً من عناصر قدرته على ممانعة القدر الذي يُدفع إليه دفعاً.

فلقد كان رفيق الحريري أكبر من الموالاة ومن المعارضة. ولعله الوحيد الذي رفض رئاسة الحكومة، غير مرة، بشروط رآها ظالمة لمن ولما يمثل.

ثم إن رفيق الحريري ظل إنساناً، وظل في مجالات كثيرة نسيج وحده: لا هو بالوارث ولا هو ابن البيت السياسي العريق.. لذلك استمر، بعد السلطة كما قبلها، على ما كان عليه: يتعاطف مع الفقراء الذين وفر لتعليم أبنائهم من الفرص أكثر مما وفرت الدولة، ويوزع عليهم <<الزكاة>> سنوياً، حتى وهي تحمل إليه الاتهامات الظالمة والتجني المفضوح، ويداوي مرضاهم في الداخل والخارج، من دون استرهانهم بجميله.

ظل الصيداوي المتحدر من صلب حركة القوميين العرب على ولائه لعروبته إلى حد اتهامه بأنه يريد (تعريب لبنان) بشرائه.. وارتضى أن يكون في ممارساته، في موقع (وزير الخارجية) الرديف لحافظ الأسد في سوريا، حرصاً على سوريا، وقد اجتهد في مواصلة هذا الدور مع بشار الأسد، وعمل بكل طاقته لفتح الأبواب الموصدة أمام هذه الدولة التي عانت طويلاً من العزلة بضغط الحصار الدولي وافتقاد النصير العربي.

ولعله كان الأنجح بين السياسيين العرب في نسج شبكة من العلاقات الدولية الواسعة التي لا تقف عند حد: من فرنسا جاك شيراك، إلى ألمانيا شرودر، وبريطانيا بلير، إلى واشنطن جورج بوش الأب ثم كلينتون وصولاً إلى جورج بوش الابن، مروراً بإيطاليا برلسكوني، وإسبانيا اليمين واليسار ومعهما الملك، فإلى روسيا بوتين، واليابان والصين، انتهاءً بإيران الثورة الإسلامية وباكستان في العهدين وتركيا قبل الإسلاميين ومعهم.

 لقد مارس (سياسة الطائرة) بنجاح استثنائي مع القيادات العربية عموماً، فجمع بين صداقاته الكبار في السعودية، الملك فهد وولي العهد الأمير عبد الله والأمير سلطان، والرئيس المصري حسني مبارك، والملكين في المغرب وفي الأردن وصولاً إلى يمن علي عبد الله صالح وعُمان السلطان قابوس... إلخ.

ليس اغتيال رفيق الحريري صاعقة في سماء صافية.

إنه قرار بفتح أبواب جهنم على لبنان، بما تبقى من مناعته، وبالأساس على روحه المقاومة، و(حزب الله) سيكون المستهدف الأول، باعتباره (المعادل الموضوعي) وطنياً وقومياً.
وعلينا أن نقرأ موقف الرئيس الفرنسي، عنواناً للحقبة المقبلة، خصوصاً أنه يعلن فقدان الثقة بالسلطة ويطالب بتحقيق دولي في الجريمة... ووزير خارجيته، بارنييه، يوضح المخفي أو الملتبس في كلام شيراك فيؤكد أن الوقت سيأتي لمحاسبة المسؤولين، كائنين من كانوا.

والإدارة الأميركية تلوّح بطرح الجريمة في مجلس الأمن كمدخل لمعاقبة المسؤولين...
إن ذلك كله لا يؤكد فقط مكانة الحريري التي لم تكن تدانيها مكانة أي سياسي آخر في لبنان، بل يؤكد فداحة الفراغ الذي تركه، والاحتمالات المفتوحة على المجهول بعد غيابه. فمن زاوية النزاعات اللبنانية اللبنانية كان بإمكان المتسرّع الافتراض أنه أقرب إلى المعارضة... لكن نظرة متروية إليه، ومن زاوية الموقع الاستثنائي الذي شغله، تكشف أنه ظل حتى النفس الأخير مع العودة إلى التسوية التاريخية ممثلة باتفاق الطائف.

اليوم نتذكرك ايها الشهيد ونقول لك بصراحة

اليوم لبنان بحاجة لك اكثر من الماضي

اليوم المقاومة بحاجة لك اكثر من الماضي

عند كل طلعة شمس في لبنان

سنقول الله يرحمك يا شهيد لبنان

يا رفيق

 

back